الآلوسي
129
تفسير الآلوسي
ما لا يقادر قدره والنار من عدله تعالى ، وقوله : إنه غير مناسب لمقام التهديد مع ما فيه من المنع يرد عليه أن الكلام مبني على التقابل وأنه على المشاكلة في قولهم : * ( أي الفريقين خير مقاماً ) * ( مريم : 73 ) وأحسن ندياً فوعد هؤلاء ليس لمجرد تهديد أولئك بل مقصود لذاته قاله في " الكشف " . وقال صاحب الفرائد : ما قاله الزمخشري بعيد عن الطبع والاستعمال وليس في كلامهم ما يشهد له ، ويمكن أن يقال : المراد ثواب الأعمال الصالحة في الآخرة خير من ثوابهم في الدنيا وهو ما حصل لهم منها من الخير بزعمهم ومما أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما اه ، ورد إنكاره له بأن الزجاج ذكره في قوله تعالى : * ( أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) * ( الفرقان : 15 ) وأن له نظائر . والبعد عن الطبع في حيز المنع . وقال بعض المحققين : إن أفعل في الآية للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى الزيادة المطلقة كما قيل في يوسف عليه السلام أحسن إخوته وهي إحدى حالاته الأربع التي ذكرها بعض علماء العربية ، فالمعنى أن ثوابهم ومردهم متصف بالزيادة في الخيرية على المتصف بها بقطع النظر عن هؤلاء المفتخرين بدنياهم فلا يلزم مشاركتهم في الخيرية فتأمل . والجملة على ما ذهب إليه أبو السعود على تقديري الاستئناف والعطف فيما قبلها مستأنفة واردة من جهته تعالى لبيان فضل أعمال المهتدين غير داخلة في حيز الكلام الملقن لقوله سبحانه : * ( عند ربك ) * ، وقال العلامة الطيبي : الذي يقتضيه النظم الكريم أن هذه الجملة تتميم لمعنى قوله سبحانه : * ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) * ( مريم : 76 ) ومشتملة على تسلية قلوب المؤمنين مما عسى أن يختلج فيها من مفاخرة الكفرة شئ كما أن قوله تعالى : * ( حتى إذا رأوا - إلى - جنداً ) * ( مريم : 75 ) تتميم لوعيدهم ، وكلاهما من تتمة الأمر بالجواب عن قولهم : * ( أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً ) * ، وجعل التعبير بخير وارداً على طريق المشاكلة . وما ذكره من كون ذلك من تتمة الجواب هو المنساق إلى الذهن إلا أن ظاهر الخطاب يأباه وقد يتكلف له ، ولعلنا قد أسلفنا في هذه السورة ما ينفعك في أمره فتذكر . * ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ) * * ( أَفرَأَيْتَ الَّذي كَفَرَ بآيَاتنَا ) * أي بآياتنا التي من جملتها آيات البعث . أخرج البخاري . ومسلم . والترمذي . والطبراني . وابن حبان . وغيرهم عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاصي بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تعالى : * ( أفرأيت ) * الخ . وفي رواية أن خباباً قال له لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً ولا إذا بعثت فقال العاصي : فإذا بعثت جئتني الخ ، وفي رواية أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوه يتقاضون ديناً لهم عليه فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات ؟ قالوا : بلى قال : موعدكم الآخرة والله لأوتين مالاً وولداً ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فنزلت ، وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقد كانت له أقوال تشبه ذلك ، وقال أبو مسلم : هي عامة في كل من له هذه الصفة ، والأول هو الثابت في كتب الصحيح ، والهمزة للتعجيب من حال ذلك الكافر والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب أن ترى ويقضي منها العجب ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من وقف عليها * ( وَقَالَ ) *